الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

225

محجة العلماء في الأدلة العقلية

ثم قال وبقي الكلام في التدافع الواقع بين ما عزاه إلى الأصحاب وبين ما حكيناه عن العلامة في النهاية فإنه عجيب ويمكن ان يقال إن اعتماد المرتضى في ما ذكره على ما عهده من كلام أوائل المتكلمين منهم والعمل بخبر الواحد بعيد عن طريقتهم وقد مرت حكاية المحقق عن ابن قبة وهو من جملتهم القول بمنع التعبد به عقلا وتعويل العلّامة على ما ظهر له من حال الشيخ وأمثاله من العلماء المعتنين بالفقه والحديث حيث أوردوا الاخبار في كتبهم واستراحوا إليها في المسائل الفقهيّة ولم يظهر منهم ما يدل على موافقة المرتضى انتهى ولا يخفى ان تعجّبه من ذلك التدافع في محلّه الا ان ما صدر منه أعجب فان كلام المرتضى وغيره صريح في عدم جواز العمل بالخبر في الفروع وامّا الأصول فلم يستشكل فيه أحد ألا ترى ان السّيد نفى الانسانيّة عمن يعول على الآحاد في أصول الدين وبهذا اسقط قوله عن الاعتبار واخرجه من زمرة العلماء واشتهار هذا المعنى ووضوحه صار منشأ لاشتباه الامر عليهم في أصول الفقه واشتهر بينهم عدم جواز الاستناد إلى الآحاد فيها وقد صرح به المرتضى والشيخ والمحقق قدّس سرّهم وليس هذا الاشتباه الّا لوضوح امر عدم الاعتبار في الأصول وبالجملة فكل من عزى عدم الحجيّة إلى الاماميّة اعني جميع من تعرّض لهذه المسألة من العامة والخاصة كلامه صريح في انه عندهم كالقياس في الاحكام الفقهية وكلامه هذا يكشف عن عدم تتبعه في هذا المقام وعدم اطلاعه على كلمات من أشرنا إليهم من الاعلام مع أن النظر إلى كلام الشيخ وطريقته ليس منشأ لما زعمه العلّامة قده ثم إن هذا يجرى في ما هو أعظم من ذلك من التهافت بين كلام الشيخ قده وشيخيه المفيد والمرتضى قده ثم قال والانصاف انه لم يتضح من حالهم المخالفة له أيضا إذا كانت اخبار الأصحاب يومئذ قريبة العهد بزمان لقاء المعصومين عليهم السّلام واستفادة الاحكام منهم وكانت القرائن المعاضدة لها متيسرة كما أشار اليه السيّد ولم يعلم أنهم اعتمدوا على الخبر المجرّد ليظهر مخالفتهم لرأيه فيه وقد تفطن المحقّق من كلام الشيخ لما قلناه بعد ان ذكر عنه في حكاية الخلاف هنا انه عمل بخبر الواحد إذا كان عدلا من الطّائفة المحقّة وأورد احتجاج القوم من الجانبين فقال وذهب شيخنا أبو جعفر ره إلى العمل بخبر العدل من رواة أصحابنا إلى آخر ما حكيناه ثم قال وما فهمه المحقق من كلام الشيخ هو الذي ينبغي ان يعتمد عليه لا ما نسبه العلامة اليه انتهى فهذا الفاصل أيضا اعترف بان العمل بالخبر الواحد من باب اكل الميتة والاضطرار لا من اجل الحجيّة والاعتبار وان عمل الطائفة بالاخبار لأجل إفادتها العلم والاطمينان وقال في أول كتاب المنتقى ولقد كانت حالة الحديث مع السلف الأولين على طرف النقيض ممّا هو فيه مع الخلف الآخرين فأكثروا لذلك فيه المصنّفات وتوسّعوا في طريق الروايات وأوردوا في كتبهم ما اقتضى رأيهم ايراده من غير الثقات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفه ولا تعرض للتميز بين سليم الاسناد وسقيمه اعتمادا منهم في الغالب على القرائن المقتضية لقبول ما دخل الضعف طريقه وتعويلا على الإفادات الملحقة لخطأ الرتبة بما فوقه كما أشار اليه الشيخ في فهرست كتابه حيث قال إن كثيرا من مصنفى أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة وكتبهم معتمدة وغير خفى انه لم يبق لنا سبيل إلى الاطلاع على الجهات التي عرفوا منها ما ذكروا حيث حظوا بالعين وأصبح حظنا بالأثر وفازوا بالعيان وعوضونا عنه بالخبر فلا جزم انسد عنّا باب الاعتماد على ما كانت لهم أبوابه مشرعة وضاقت علينا مذاهب كانت المسالك لهم فيها متسعة انتهى ولقد جاء بما لا مزيد عليه